كيف نزور فلسطين حين تصبح المسافات والحدود والحواجز عائقًا أمام الوصول إليها؟ وكيف تُنقل حكاياتها ومدنها وذاكرتها إلى جمهور لم تُتح له فرصة رؤيتها أو التجوّل في شوارعها؟
سؤالان مركزيّان دفعا المتحف الفلسطيني ومؤسّسة التعاون إلى تطوير تجربة تفاعليّة غامرة بتقنيّة 360 درجة، تأخذ الزوّار في رحلة افتراضيّة عبر أكثر من خمسين موقعًا فلسطينيًا، من إقرث في الجليل شمالًا إلى غزّة جنوبًا، مرورًا بالقدس ويافا وعكّا ولفتا وسبسطية وبتّير وأريحا ومخيّمات اللاجئين وغيرها من المدن والقرى والمواقع التاريخيّة والثقافيّة. وتستند التجربة إلى مواد وثّقها المتحف الفلسطيني ميدانيًا بتقنيّة 360 درجة، إلى جانب الصور البانوراميّة، بما يتيح للجمهور التنقّل بين هذه المواقع واستكشافها افتراضيًا، والتعرّف إلى فلسطين من خلال أماكنها وأهلها وتاريخها وتجاربها اليوميّة، حيث تتقاطع الذاكرة مع المكان، وتروي المدن والقرى حكايات أناس ما زالوا يتمسّكون بأرضهم وثقافتهم وحياتهم رغم ما واجهوه من تهجير وتحدّيات وتحوّلات متواصلة.
استضافت كوالالمبور، ماليزيا، هذه المبادرة ضمن فعاليّة خيريّة نظّمتها مؤسّسة التعاون لدعم برنامج "نور" لرعاية الأطفال الأيتام في غزّة. ويهدف البرنامج إلى مرافقة الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما بسبب حرب الإبادة، من خلال توفير الدعم والرعاية وإتاحة الفرص التي تساعدهم على مواصلة حياتهم وبناء مستقبلهم. وجمعت الفعاليّة بين البعدين الإنساني والثقافي، وأتاحت للحضور دعم البرنامج والتعرّف إلى فلسطين عبر تجربة افتراضيّة غامرة.
كما شكّل هذا اللقاء فرصة لتعريف الجمهور الماليزي بفلسطين عن قرب، بما تحمله من تاريخ وثقافة وتجارب إنسانيّة متنوّعة. وقد شكّلت هذه الفرصة دعوة ومدخلًا إلى أشكال أوسع من التعاون والتبادل والعمل المشترك بين الأفراد والمؤسسات التي يجمعها الاهتمام بفلسطين وقضاياها.
تعكس هذه المبادرة تقاطعًا بين العمل الإنساني والثقافي؛ فالمتحف الفلسطيني يسعى إلى حفظ الذاكرة الفلسطينيّة وصون التراث والرواية الثقافيّة للأجيال القادمة، بينما تعمل مؤسّسة التعاون على دعم الفلسطينيّين وتعزيز صمودهم والاستثمار في مستقبلهم من خلال برامجها الإنسانيّة والتنمويّة. وفي هذه التجربة، يلتقي دعم الإنسان بالحفاظ على حكايته؛ إذ لا يقتصر دعم المجتمعات على تلبية احتياجاتها الماديّة فحسب، بل يشمل صون ذاكرتها وقصصها وتراثها الثقافي. ومن هذا المنطلق، شكّلت الفعاليّة مساحة تجمع بين التضامن مع الفلسطينيين في حاضرهم، وصون إرثهم وذاكرتهم للمستقبل.
فإلى أن نلتقي في فلسطين، تبقى هذه الجولة دعوة مفتوحة لزيارتها افتراضيًا؛ للسير في أزقتها، والتجوّل بين مدنها وقراها، والإنصات إلى الحكايات التي ما زالت تُروى فيها، جيلًا بعد جيل.